أحمد بن محمود السيواسي

83

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 147 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 147 ) ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ) أي بالبعث بعد الموت ( حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ) أي بطلت حسناتهم ( هَلْ يُجْزَوْنَ ) أي ما يثابون في الآخرة ( إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 147 ] أي إلا جزاء أعمالهم السوء الذي عملوه في الدنيا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 148 ] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ ( 148 ) ثم أخبر تعالى عن ضلالة بني إسرائيل بعد إحسانه تعالى إليهم بالإنجاء من عدوهم واتباعهم بموسى بالإيمان ، وذلك حين وعدهم موسى ثلثين يوما فتأخر عنه بقوله ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ ) أي بعد ذهابه إلى المناجاة بالطور ( مِنْ حُلِيِّهِمْ ) التي استعاروها من نساء القبط بعلة عرس « 1 » كان لهم ، وجازت الإضافة بأدنى ملابسة ، وهو كونها عواري أو لأنهم « 2 » ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم ، قرئ بضم الحاء ، جمع الحلي كثدي وثدي بالتشديد ، وبكسر الحاء « 3 » للاتباع بكسر اللام بمعنى الأول ، وقيل : « اسم المحسن به من الذهب والفضة » « 4 » ، وأسند الاتخاذ إليهم وإن كان المتخذ السامري وحده لرضاهم بفعله منها ، فإنهم اتخذوه إلها وعبدوه ( عِجْلًا جَسَداً ) مفعول « اتَّخَذَ » ، و « جَسَداً » بدل منه ، أي جسما ذا لحم ودم ( لَهُ خُوارٌ ) أي صوت كصوت البقر ، وذلك أن السامري قال لهم : منع اللّه عنا موسى بما أخذتم من آل فرعون بعلة العرس من الحلي ، لأنه خيانة عظيمة ، فأجمعوا الحلي التي أخذتم منهم حتى نحرقها ، فلعل اللّه يرد موسى علينا ، فجمعوها ، وكان السامري صائغا ، فجعلها في النار واتخذ منها صورة العجل وقد كان رأى جبرائيل على فرس الحياة الذي كلما وضع حافره ظهر النبات في موضع حافره ، فأخذ من أثر حافره كفا من التراب ، وألقاه في صورة العجل فصار عجلا جسدا ، فقال « هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى » « 5 » ، فجعله سفهاؤهم معبودا لهم « 6 » ، فعجب اللّه تعالى بالاستفهام عن عقولهم « 7 » السخيفة بقوله ( أَ لَمْ يَرَوْا ) بنظر العقل « 8 » ( أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ) بالأمر والنهي والنصح ( وَلا يَهْدِيهِمْ ) أي لا يرشدهم ( سَبِيلًا ) أي طريقا من طرق الفلاح مع دعواهم فيه الألوهية ، فكيف عبدوه وهو أعجز عنهم ، ثم قال تعالى ( اتَّخَذُوهُ ) إلها وأقدموا على عبادته ( وَكانُوا ظالِمِينَ ) [ 148 ] أي صاروا ضارين أنفسهم بعبادتهم إياه أو كانوا ظالمين قبل ذلك ، فلم يكن اتخاذ العجل منهم بدعا ولا أول مناكيرهم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 149 ] وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 149 ) ثم أخبر عن ندامتهم على فعلهم القبيح ورحمته عليهم بقوله ( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) أي ندموا على عبادتهم العجل ، يقال سقط في يده إذا ندم ، أصله سقط فوه « 9 » على يده ، فهو من باب الكناية ، لأن من اشتد ندمه وحسرته شأنه أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها وفوه ساقطا واقعا عليها ، فالسقوط مستند إلى « فِي أَيْدِيهِمْ » مجازا لغويا ( وَرَأَوْا ) أي وعلموا ( أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا ) عن الهداية بعابدة العجل ( قالُوا ) تائبين ( لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا

--> ( 1 ) عرس ، ب م : العرس ، س . ( 2 ) أو لأنهم ، ب س : ولأنهم ، م . ( 3 ) « حليهم » : قرأ الأخوان بكسر الحاء واللام وتشديد الياء وكسرها ، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وإسكان اللام وكسر الياء مخففة ، والباقون بضم الحاء وكسر اللام والياء مشددة . البدور الزاهرة ، 124 . ( 4 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 136 . ( 5 ) طه ( 20 ) ، 88 . ( 6 ) لعل المؤلف نقله عن السمرقندي ، 1 / 570 . وقد مر ذكره في أثناء تفسير قوله « وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ . . . » رقم الآية ( 51 ) من سورة البقرة . ( 7 ) عن عقولهم ، م : من عقولهم ، ب س . ( 8 ) بنظر العقل ، ب س : - م . ( 9 ) فوه ، ب س : وفاه ، م .